علي أنصاريان ( إعداد )

26

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار

قوله - عليه السلام - « وكمال معرفته التصديق به » الفرق بينهما إمّا بحمل المعرفة على الإذعان بثبوت صانع في الجملة ، والتصديق على الإذعان بكونه واجب الوجود أو مع سائر الصفات الكماليّة أو بحمل الأوّل عليا المعرفة الفطريّة والثاني على الإذعان الحاصل بالدليل ، أو الأوّل على المعرفة الناقصة والثاني على التامّة الّتي وصلت حدّ اليقين . وإنّما قال - عليه السلام - « وكمال التصديق به توحيده » لأنّ من لم يوحدّه وأثبت له شريكا فقد حكم بما يستلزم إمكانه فلم يصدّق به بل بممكن غيره . ( 4 ) « فمن وصف اللّه - أي بالصفات الزائدة - فقد قرنه » أي جعل له شيئا يقارنه دائما . ومن حكم بذلك فقد ثناّه أي حكم باثنينيّة الواجب إذ القديم لا يكون ممكنا ، ومن حكم بذلك فقد حكم بأنهّ ذو أجزاء لتركبّه ممّا به الاشتراك وما به الامتياز ، أو لأنّ

--> ( 4 ) - قوله « وكمال توحيده الإخلاص له » أي وكمال توحيده جعله مختارا خالصا من الدنس وتنزيهه عن شوائب العجز والنقص وتقديسه عمّا يلحق الممكنات ويعرضها من التجسّم والتركّب وغيرهما من الصفات السلبيّة . وأمّا قوله « وكمال الإخلاص له نفي الصفات له » يحتمل أن يكون المراد به نفي المعاني والأحوال . قال ابن ميثم : « وكمال توحيده الإخلاص له » ففيها إشارة إلى أنّ التوحيد المطلق للمعارف إنّما يتمّ بالإخلاص له وهو الزهد الحقيقي الّذي هو عبارة عن تنحية كلّ ما سوى الحقّ الأوّل عن سنن الإيثار ، وبيان ذلك أنهّ ثبت في علم السلوك أنّ العارف ما دام يلتفت مع ملاحظة جلال اللهّ وعظمته إلى شيء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول ، جاعل مع اللهّ غيرا ، حتّى أن أهل الإخلاص ليعدّون ذلك شركا خفيّا ، كما قال بعضهم : من كان في قلبه مثقال خردلة * سوى جلالك فاعلم أنهّ مرض أقول : ما قلناه أظهر وأنسب وسياق الكلام يشهد بذلك . وقال في شرح قوله « نفي الصفات عنه » بعد احتماله ما ذكرنا : قلت : قد تقرّر في مباحث القوم بيان أنّ كلّ ما يوصف به [ اللهّ ] - تعالى - من الصفات الحقيقيّة والسلبيّة والإضافيّة اعتبارات تحدثها عقولنا عند مقايسة ذاته - سبحانه - إلى غيرها ، ولا يلزم تركيب في ذاته ولا كثرة ، فيكون وصفه - تعالى - بها أمرا معلوما من الدين ليعمّ التوحيد والتنزيه كلّ طبقة من النّاس ، ولمّا كانت عقول الخلق على مراتب من التفاوت كان الإخلاص الّذي ذكره [ عليّ ] - عليه السلام - أقصى ما تنتهي إليه القوى البشريّة عند غرقها في أنوار كبرياء اللهّ ، وهو أنّ تعتبره فقط من غير ملاحظة شيء آخر ، وكان اثباته - عليه السلام - الصفة في موضع آخر وصفه في الكتاب العزيز وسنن النبوية إشارة إلى الاعتبارات الّتي ذكرناها ، إذ كان من هو دون درجة الإخلاص يمكن أن يعرف اللهّ - سبحانه - بدونها . انتهى . وقال صدر المتألّهين في شرح قوله - عليه السلام - : ذلك أراد به نفي الصفات الّتي وجودها غير وجود الذات وإلّا فذاته بذاته مصدّق لجميع النعوت الكماليّة والأوصاف الإلهيّة من دون قيام أمر زائد بذاته - تعالى - فرض أنهّ صفة كماليّة له ، فعلمه وقدرته وإرادته وحياته وسمعه وبصره كلّها موجودة بوجودة ذاته الأوّليّة ، مع أنّ مفهوماتها متغايرة ومعانيها متخالفة ، فإنّ كمال الحقيقة الوجوديّة في جامعيّتها للمعاني الكثيرة الكماليّة مع وحدة الوجود .